الغزالي
94
إحياء علوم الدين
* ( ألم . غُلِبَتِ الرُّومُ . في أَدْنَى الأَرْضِ وهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) * « 1 » كذبه المشركون ، وقالوا للصحابة ألا ترون ما يقول صاحبكم : يزعم أن الروم ستغلب ! [ 1 ] فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، فلما حقق الله صدقه ، وجاء أبو بكر رضي الله عنه بما قامرهم به ، قال عليه السلام « هذا سحت فتصدّق به » وفرح المؤمنون بنصر الله . وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم له في المخاطرة مع الكفار وأما الأثر : فان ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية ، فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن ، فطلبه كثيرا فلم يجده . فتصدق بالثمن ، وقال اللهم هذا عنه إن رضى ، وإلا فالأجر لي . وسئل الحسن رضي الله عنه عن توبة الغال ، وما يؤخذ منه بعد تفريق الجيش فقال يتصدق به . وروى أن رجلا سولت له نفسه ، فغل مائة دينار من الغنيمة ، ثم أتى أميره ليردها عليه ، فأبى أن يقبضها ، وقال له تفرق الناس . فأتى معاوية ، فأبى أن يقبض فأتى بعض النساك ، فقال ادفع خمسها إلى معاوية ، وتصدق بما بقي . فبلغ معاوية قوله فتلهف إذ لم يخطر له ذلك . وقد ذهب أحمد بن حنبل ، والحارس المحاسبي ، وجماعة من الورعين إلى ذلك . وأما القياس : فهو أن يقال إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير ، إذ قد وقع اليأس من مالكه . وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر ، فإنا إن رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ، ولم تحصل منه فائدة . وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه ، حصل للمالك بركة دعائه ، وحصل للفقير سد حاجته وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر . فان في الخبر الصحيح [ 2 ] « إنّ للزّارع والغارس أجرا في كلّ ما يصيبه النّاس والطَّيور من ثماره وزرعه » وذلك بغير اختياره
--> « 1 » الروم : 1 ، 2 ، 3